فخر الدين الرازي

257

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

والسؤال السابع : انه تعالى خلق السماوات والأرض في مدة متراخية فما الحكمة في تقييدها وضبطها بالأيام الستة ؟ فنقول : اما على مذهبنا فالامر في الكل سهل واضح لأنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ولا اعتراض عليه في امر من الأمور وكل شيء صنعه ولا علة لصنعه . ثم نقول : اما السؤال الأول : فجوابه انه سبحانه ذكر في أول التوراة انه خلق السماوات والأرض في ستة أيام والعرب كانوا يخالطون اليهود والظاهر أنهم سمعوا ذلك منهم فكأنه سبحانه يقول لا تشتغلوا بعبادة الأوثان والأصنام فان ربكم هو الذي سمعتم من عقلاء الناس انه هو الذي خلق السماوات والأرض على غاية عظمتها ونهاية جلالتها في ستة أيام . واما السؤال الثالث : فجوابه ان المقصود منه انه سبحانه وتعالى وان كان قادرا على إيجاد جميع الأشياء دفعة واحدة لكنه جعل لكل شيء حدا محدودا ووقتا مقدرا فلا يدخله في الوجود الا على ذلك الوجه فهو وان كان قادرا على إيصال الثواب إلى المطيعين في الحال وعلى إيصال العقاب إلى المذنبين في الحال الا انه يؤخر هما إلى أجل معلوم مقدر فهذا التأخير ليس لأجل انه تعالى أهمل العباد بل لما ذكرنا انه خص كل شيء بوقت معين لسابق مشيئته فلا يفتر عنه ويدل على هذا قوله تعالى في سورة ق : وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ * فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ [ ق : 38 39 ] بعد ان قال قبل هذا : وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ * إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ ق : 36 37 ] فأخبرهم بأنه قد أهلك من المشركين به والمكذبين لأنبيائه من كان أقوى بطشا من مشركي العرب الا انه أمهل هؤلاء لما فيه من المصلحة كما خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام متصلة لا لأجل لغوب لحقه في الامهال ولما بين بهذا الطريق انه تعالى انما خلق العالم لا دفعة لكن قليلا قليلا قال بعده : فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ من الشرك والتكذيب ولا تستعجل لهم العذاب بل توكل على اللَّه تعالى وفوض الأمر اليه وهذا معنى ما يقوله المفسرون من أنه تعالى انما خلق العالم في ستة أيام ليعلم عباده الرفق في الأمور والصبر فيها ولأجل ان لا يحمل المكلف تأخر الثواب والعقاب على الإهمال والتعطيل . ومن العلماء من ذكر فيه وجهين آخرين : الوجه الأول : ان الشيء إذا أحدث دفعة واحدة ثم انقطع طريق الأحداث فلعله يخطر / ببال بعضهم ان ذاك انما وقع على سبيل الاتفاق اما إذا حدثت الأشياء على التعاقب والتواصل مع كونها مطابقة للمصلحة والحكمة كان ذلك أقوى في الدلالة على كونها واقعة باحداث محدث قديم حكيم وقادر عليم رحيم . الوجه الثاني : انه قد ثبت بالدليل انه تعالى يخلق العاقل أولا ثم يخلق السماوات والأرض بعده ثم إن ذلك العاقل إذا شاهد في كل ساعة وحين حدوث شيء آخر على التعاقب والتوالي كان ذلك أقوى لعلمه وبصيرته لأنه يتكرر على عقله ظهور هذا الدليل لحظة بعد لحظة فكان ذلك أقوى في إفادة اليقين . واما السؤال الرابع : فجوابه ان ذكر السماوات والأرض في هذه الآية يشتمل أيضا على ذكر ما بينهما والدليل عليه انه تعالى ذكر سائر المخلوقات في سائر الآيات فقال : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ وقال : وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي